أخر تحديث : الإثنين 23 أكتوبر 2017 - 11:23 مساءً

سعيد البسكلاوي يكتب .. شعيب والدراسات الاستراتيجيّة

يكفي أن تتسلّح بنظرية المؤامرة فكرا، والانتهازية عقيدة، علاوة على جبهة عريضة، وأتباع ومعجبين من صحافيّين مبتدئين، وجمهور بوليوديّ، لكي تصبح “خبيرا” بين عشية وضحاها؛ خبيرا في الدراسات الاستراتيجيّة طبعا!

لا يكاد يعرف شعيب شيئا عن هذا التخصّص “الجديد”، ولا أين يدرّس في جامعاتنا، ولا من هم هؤلاء المحظوظون الذين فتحت لهم أبواب الفهم الاستراتيجيّ لدروب قريته والعلاقات الجيوستراتيجيّة لكوكبه مع الكواكب الأخرى؛ لكنّه يعرف بحدسه الطبيعيّ، انطلاقا ممّا يلاحظه في قريته، أنّه يكفي أن يتسلّح المرء بنظرية المؤامرة فكرا، والانتهازية عقيدة، علاوة على جبهة عريضة، وأتباع ومعجبين من صحافيّين مبتدئين، وجمهور بوليوديّ، لكي يصير خبيرا بين عشية وضحاها؛ خبيرا في الدراسات الاستراتيجيّة طبعا! مسار غير عادي وتورّط في علاقة مشبوهة بالإعلام والمال، بالإضافة إلى بلطجية أكاديميّة مؤكّدة.

تذكير

رغم أنّ شعيبا لا يفهم في الدراسات الاستراتيجيّة وما شابهها من تخصّصات حديثة، إلا أنّه يميّز بفطرته بين الخير والشرّ، وبين الأصيل والمزيّف، ويعرف بحسّه الطبيعيّ أصدقاءه من أعدائه؛ ولا يحتاج أن يدرس فصول القانون، دستوريا كان أو مدنيا أو جنائيّا، ولا مساطر النيابة العامّة، لكي يفهم أنّ الفساد مستشر في قريته الجبليّة، وأنّ القائد والقاضي “أبوري” ورئيس الجماعة والمقدّم والشيخ والمحلّل الاستراتيجيّ، بالإضافة إلى كاهن القرية وكثير من أعيانها، جميعهم تقريبا، متواطئون ضدّه وضدّ أمثاله من فقراء قريته الفقيرة أصلا؛ يوزّعون بين أهاليهم خيرات البلدة، وكلّ ما يأتيهم من وزيعة و”مساعدات إنسانيّة” من المركز أو من الخارج، ويحرصون أن يبقى شعيب وأهله دوما في العوز والجهل والمرض، حتّى يستمرّوا فيما هم عليه من تسوّل بوضعيّته واغتناء على حسابه. وهكذا يبقى شعيب في خدمتهم، وهم في خدمة أسيادهم، إلى يوم يبعثون. أمّا أن يتغيّر شيء ذو بال في القرية، فهم أحرص الناس على استقرارها وبقاء الأمور على ما هي عليه، وفي كلّ مناسبة يذكّرون شعيبا بأنّ في ذلك أمنه وسلامة أهله، لأنّه إذا ما أبدى أيّ تذمّر، أو أيّ إشارة فيها ما يفيد الخروج عن طاعة أولياء أمره، فسيكون جزاؤه عقاب الدنيا قبل الآخرة. وكيف له أن ينسى عندما احتجّ يوما ضدّ القائد واصفا النظام السائد في قريته بنظام الغاب، وأنّه لابدّ من استبداله بنظام مدنيّ يضمن لأهله كرامتهم وإنسانيّتهم، ضرب ضربا مبرّحا من قبل “المخازنيّة”، وأودع سجن القيادة؛ حيث مكث ثلاثة أيام بلا طعام ولا ماء، لولا أن حنّ قلب زوج القائد، عندما وصلها خبر اعتقال شعيب وتعذيبه بذلك الشكل الرهيب، فتوسّلت إلى زوجها الذي أصدر عفوه الساميّ عنه؛ لكن ليس قبل أن يلزمه بتوقيع تعهّد بعدم تكرار ما حدث، وزمّ فمه وعدم فتحه مرّة أخرى، وإلا فسيكون مصيره السجن مرة أخرى، والتعذيب، بل هدّده بأسوأ من ذلك، كما فعل بفلان وفلان وفلان! فسكت شعيب عن الكلام المباح، وراح “البرّاح” يصيح في الناس يوم السوق الأسبوعيّ يخبرهم بأنّ ما أقدم عليه شعيب فيه تهديد مباشر لأمن القرية واستقرارها. وقد ظهر “البرّاح” نفسه، بلباس رسميّ وتحت مسمّى “محلل استراتيجيّ” هذه المرّة، في القناة الرسميّة، يكرر الأسطوانة نفسها في خطبة ببهارات “أكاديميّة”. ولم ينكر شعيب أنّ احتجاجه قد شكّل، بالفعل، خطرا حقيقيّا، لا على هيبة الدولة كما يزعمون، بل على كراسي هؤلاء وممتلكاتهم الساميّة. لكن ما علاقة هذا بالعلم الإستراتيجيّ؟

تعريف

استعان شعيب بمعجم حديث باحثا عن كلمة مفتاح Strategic Studies بلغة شكسبير طبعا، لأنّه ما عاد يثق كثيرا فيما يكتب بلغة الضادّ في الوقت الحاضر، بعد أن صدم أكثر من مرّة. وعرف أنّ هذا التخصّص يركّز على دراسة علاقات الصراع والسلم بين الدول في العالم؛ وهو عادة تخصّص قائم بذاته، متعدّد التكوينات، في جامعات أوروبيّة وأميريكيّة يلقّن في الدراسات العليا وفي معاهد متخصّصة، يركّز أكثر على دراسة السياسات العالميّة والجغرافيّة والديبلوماسيّة والاقتصاديّة والقوة العسكريّة من الناحية الاستراتيجيّة. فبعد أوروبا وأميريكا، يكاد لا تخلو اليوم دولة في القارات الخمس من معهد للدراسات الاستراتيجيّة، وخاصّة في العالمين الأوّل والثاني. لكن مع فارق كبير بين العوالم الثلاثة بين دول تستفيد من الأكاديميّين، وأخرى لا يعدو “الأكاديميّون” فيها أبواقا لسياسات أقلّ ما يمكن أن يقال عنها أنّها تفتقد إلى السياسة، أي أنّها تفتقد إلى جوهر السياسة الذي هو التخطيط والتدبير في المجالات الحيويّة، على الأقلّ. وقد تطوّر هذا التخصّص كثيرا من حيث موضوعه ومنهجه وأهميّته ورهان الدول عليه في الوقت الراهن. وشعيب يعرف بأنّه، في الغرب، ينجز بحث حقيقيّ في هذا المجال، كما في مجالات أخرى كثيرة، وتستمدّ الحكومات أفكارها من العلماء الذين يشتغلون في جوّ أكاديميّ حقيقيّ، حرّ ومبادر. وقد قطعت دول العالم الثاني شوطا كبيرا على درب السابقين؛ في تركيا مثلا تضمّ أكاديمية الحرب التركيّة معهدا نشيطا في الدراسات الاستراتيجيّة، ويدرّس على مستوى الماستر والدكتوراه. في حين نجد في مداشرنا مراكز شكليّة في الغالب، لا يربطها بالبحث العلميّ إلا الاسم. ولعلّ أبرز مظهر لذلك هو أنّ “الخبراء الاستراتيجيّين” يستمدّون أفكارهم، في الغالب، من الحكّام، لا العكس؛ فلا يعدو عملهم أن يكون تبريرا وتفصيلا لأفكار جاهزة، عموما. وأكثر من ذلك، تجدهم يميلون حيث يميل مزاج الحاكم، لا أكثر ولا أقلّ، في جوّ شبه عسكريّ، أحيانا، يسوده الخوف والحذر وغياب المبادرة. لذلك تجد الباحثين الحقيقيّين الذين يحترمون أنفسهم يتفادون هذا النوع من المراكز، بينما يتهافت عليها غيرهم لأغراض أخرى غير أكاديميّة، والاستثناء نادر طبعا. وأفضلهم مترجم غير معلن لأفكار غيره، يحاول تطبيقها على واقع مختلف، بلا جديد يذكر. وشعيب يحبّ أن يكون لقريته أيضا استراتيجيّة واضحة وتخطيط متميّز في سياستها الزراعيّة والمائية والطاقيّة، ومنافسة القرى المجاورة في الإنتاج والتسويق، كما في تجهيز المرافق الاجتماعيّة من مستشفيات ومدارس وجامعات وغير ذلك. لكن الله غالب!

مسار غير عادي

لا يخفى على شعيب أنّ مسار كثير من “المحلّلين الاستراتيجيّين” لا يختلف عن مسار غيرهم من النجوم من حيث الشكل على الأقلّ. يبرز اسم شخص بين النجوم السياسيّة والإعلاميّة، يستدعى إلى ولائم ولقاءات وجلسات خاصّة، فتبدأ “الكاريير”، مسار الخبير. تنتشر صوره، في مختلف الأشكال، على صدر صفحات الجرائد والمجلات والمواقع، ويدعى إلى بلاطو القنوات الإخبارية لكي يتكلّم، تماما مثل فقيه القرية، في كلّ نازلة؛ فيصير شخصية عموميّة تحتاج إلى تعامل خاصّ مثل كلّ الأطفال المدلّلين. هذا هو الحال في كلّ المجتمعات البشريّة، غير أنّ الأمر في عالمنا السفليّ أسوأ، لمكان انتشار الجهل لا بين عموم الناس فقط، بل أيضا بين الإعلاميّين والتقنيّين والأطباء والمعلّمين بسبب مزاحمة أفكار ما قبل علميّة لأفكار العلم والتمييز والرأي العقليّ. ولأنّ الأمر مربح من الناحيّتين المادّية والمعنويّة، صار الأمر طموح كلّ غير ذي طموح، وغاية كلّ طالب “كسول”، خاصّة في حقل العلوم الإنسانيّة والسياسيّة، والعلاقات الدوليّة تحديدا.

قبل أن يقلع شعيب عن عادة مشاهدة التلفاز، كان يكفي أن يفتح قناة إخبارية عربيّة، في المساء، فيستمتع بالتحليل الاستراتيجي لنماذج من هؤلاء المفكّرين التلفزيّين؛ مفكّرو الجمهور، مدراء لم نسمع عن كتابات أكاديميّة لهم قطّ، خريجون فهموا النجاح بطريقة أخرى غير طريقة الكدّ والاجتهاد، بطريقة أسرع وأنجع، يمكن إيجازها فيما يلي: جبهة وعلاقات وجريدة وتحليل استراتيجيّ، ثمّ في مرحلة ثانية مركز وعلاقات أوسع وتمويلات كبيرة لكتابات صحفيّة صغيرة. وهكذا كرّس كثير من “الخبراء” لأنفسهم مسارا “صحفيّا” زائفا؛ لكن أن نقول أنّه مسار أكاديميّ، فهذا مستوى آخر لا ينطبق هنا، إلا من حيث استعارة الاسم.

ولعلّ شعيبا معذور إن امتعض من محترفي هذه التجارة؛ فعندما كان يستمع لأحدهم أو يقرأ له يصاب بالغثيان، من فرط التخبّط في الرأي واستسهال التحليل. وقد كان يلاحظ منذ سنوات كيف أنّ الخبراء الاستراتيجيّين ينبتون كالفطر في عالمنا السفلي، ولم يفهم إلا لاحقا أنّ بعضا من هؤلاء شقّوا لأنفسهم مسار نجاح غير عادي، إذ حوّلوا الفشل الدراسي إلى نجاح شخصيّ باهر في أعين عموم الناس، أليس مبهرا أن يجتاز طالب كسول عقبة التخرّج من الجامعة مدفوعا، ثمّ يصير بين عشية وضحاها خبيرا، ثمّ أستاذا جامعيّا، ومدير مركز أبحاث استراتيجيّة!؟ مركز لا ينظر القيّم عليه إلى أكثر من مدى أنفه، وفي أحسن الأحوال إلى بطنه وجيبه وإرضاء أسياده وعلاقاتهم المزاجيّة بما يحيط بهم من شجر وحجر وبشر!

علاقة مشبوهة

لم يكن شعيب يستوعب هذا الشيء الذي تعجّ بها التلفزة والجرائد في قريتنا تحت مسمّى خبير أو محلّل استراتيجيّ. لكنّه بات يعرف أنّ الصحافة في قرانا تصنع الخبراء، بين ليلة وضحاها، من خلال التماس آرائهم وإجراء حوارات معهم يملأ بها صحافيّون متدرّبون أوراقهم وصفحات جرائدهم، ويجدونهم على استعداد دوما، صاغرين وحاضرين يتكلّمون في كلّ شيء ويقولون أيّ شيء قد يعود عليهم بالنفع الماديّ.

وتوزيع لقب محلل استراتيجيّ على كل ّ من هب ودبّ، إنّما يعكس مستوى الصحافة الضعيف في مجتمعاتنا، وعدم بذل أيّ مجهود في التحريّ والقراءة ومعرفة ذوي الاختصاص الحقّ من خلال كتاباتهم الأكاديمية، لا ثرثراتهم في الفضائيّات. وبالمناسبة، فإنّه لا يظهر لكتابات هؤلاء أثر إلا في الصحافة، لا في شيء آخر؛ لا نجد مثلا مقالات أكاديميّة، في مجلات متخصّصة عالميّة، لجلّ المحللين الاستراتيجيّين والخبراء السوسيولوجيّين الذين نبتوا كالفطر في جماعاتنا المتخلّفة وصحافتنا الكسولة، فتجد الوجوه نفسها تطل علينا في كلّ شاشة وصحيفة، يخوضون في كلّ موضوع، ويلوّحون في كلّ اتجاه، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا؛ وعلى طريقة فقهاء العصور الوسطى يفتون في كلّ نازلة. هكذا يعوّض “الخبراء” كسل هؤلاء الصحفيّين وفراغهم الفكريّ والمهنيّ. وشيئا فشيئا يغدقون عليهم الألقاب فيصبحون مفكّرين مشهورين، بدون فكر ولا تفكير! والأمثلة كثيرة في مجتمعاتنا لأشخاص صاروا مفكّرين “كبارا”، وكلمة السرّ هي الشهرة، شبكة علاقات قويّة، أتباع وموالون أوفياء، منبهرين بشخصيّة المعني وتحليلاته التي يضفي عليها كثيرا من السحر، وثقافة المؤامرات والتحليلات الخفية، مع إخفاء المصادر. وفي هذا الأمر الأخير يكمن الفرق بين البحث الأكاديميّ وغيره: الإعلان عن المصادر ومناقشة المراجع، وإبراز الإضافة. هل يمكن هذا في الكلام الشفويّ والصحفيّ؟ ما مدى تردّد عبارات “كما يقول فلان وفلان” في حوارات صحفيّة؟ ما مدى تردّد كلمات من قبيل ربّما، وقد، وعسى، ولعلّ؟ ما مدى تردّد عبارات من قبيل: “لا أدري”، “أنا لسست مختصّا”، و”غيري أدرى منّي بالموضوع”؟ ومن ظواهر العصر أنّ كثيرا من الصحفيّين، مع أنّهم غارقون في اليوميّ، سرعان ما يصيرون منظّرين وأكاديميّين ومفكّرين. يا سلام على مفكّري آخر الزمان! اسألوا المحلّلين والخبراء الاستراتيجيّين عن أسباب هذه الظاهرة!

وقد صار واضحا الآن، في نظر شعيب الذي لم يكن يحبّ أن يخوض في مثل هذه الظواهر “الفيزيائيّة”، أنّ كثيرا من هؤلاء الخبراء، خبراء المواقف الجاهزة والتحليلات المطلقة، مختصّون في الدراسات “الماليّة” بالأساس؛ وسيلتهم المثلى نحو الهدف المنشود: شهرة ومال، وغير ذلك تفاصيل ثانوية. وأنّ المراكز التي فتحوها دكاكين لا علاقة لها بالعلم، ولا قبل لها بالبحث الأكاديميّ إلا من حيت التبجّح الصحفي والتحليل الذي يعتمد نظرية المؤامرة والتحليل الجنيّ الباطنيّ، بلا منهج واضح، بعيدا عن كلّ واقعيّة في التحليل؛ فهؤلاء “العلماء الجدد” قد يقولون الشيء وعكسه، في آن واحد، ويصوغون آراء حسب المقاس والمزاج، ويجترّون عبارات صالحة لكلّ سياق في كثير من الأحيان. ولعلّ ما يشجّعهم على التمادي في ذلك هو وجود جمهور بالذهنيّة ذاتها، يستهلك هذا النوع من الخطاب ويحبّ أن يستمتع بقفشاتهم وتخيّلاتهم في التلفزة. ولعلّ الأمر المشترك بين هؤلاء، في مجتمعاتنا وتلفزاتنا ومجالسنا الخاصّة والعامّة، بل في بعض ما يسمّى بمراكز الأبحاث أيضا، هو أنّ “تحليلاتهم” وكلامهم يبنى على تخمينات بعيدة في الغالب، لا على معطيات واقعيّة ومناهج علميّة كما طوّرها أهل التخصّص. والنماذج كثيرة في قرى العالم الثالث، تشترك كثير منها في السمات التي ذكرناها، وإذا وجدت مراكز حقيقيّة بسمات أخرى، فستكون استثناء في هذا الدجى، والله أعلم.

بلطجيّة أكاديميّة

لا يخفى عن شعيب أنّ بعض هؤلاء لا يني يتوسّل بصفة “محلّل استراتيجي”، كما بصفة “أستاذ جامعيّ” أو دكتور أو خبير، من أجل الاقناع عندما يعوزه الدليل. والشاشات الفضائيّة، والصحف بأنواعها المختلفة، مليئة بنماذج لا تحصى، تعكس أمرا واحدا هو غياب الكفاءة، لا لدى هؤلاء فحسب، بل لدى من يتّصل بهم أيضا، دون أهل الاختصاص الحقيقيّين. فبعضهم يتخصّص في اللعق واللحس، وفتح الفاه بالصراخ والدفاع عن السلطة، أو المعارضة أحيانا (حسب السياق)، وأفكارها ومواقفها وسلوكاتها، مهما كانت منحرفة. ولعلّ ما يدعو المسؤولين على النشرات الإخباريّة إلى توجيه دعوات متكرّرة لهؤلاء ما يحقّقونه من فرجة، بالإضافة إلى جاهزيتهم الدائمة للكلام في أيّ موضوع، وبأقلّ الخسائر مادام جانبهم مؤمّنا، وخاصّة في البرامج المباشرة!

ولا يني شعيب يلاحظ أنّه بدل أن تعوّل الدولة على استراتيجيّ قريتنا، في البحث عن أفكار جديدة، يعوّل هو على المؤسّسات الرسميّة، وخاصّة الأمنيّة منها، في الحصول على المعلومة وتيسير الولوج إلى المنابر. وللمفارقة، فإنّ هذه المؤسّسات نفسها تعرف جيّدا أنّها لا يمكن أن تعوّل على هذا النوع من “الخبراء” إلا في تحقيق أهداف إعلاميّة، لا أكثر. لذلك، فهو لا يعدو أن يكون رقما من أرقامها، أو مخبرا في أحسن الأحوال، أصغر مخبريها أفضل منه، مادام هو من يمتح ممّا قد تجود عليه من فتات المعلومات يتباهى بها أمام أقرانه ومنافسيه في السعي إلى تلك الحظوة. وما أكثر المتنافسين في التقرّب من أصحاب القرار، وما يستتبع ذلك من الحصول على معلومات وتمويلات وأعطيات. أمّا البحث الدقيق وتحرّي الصدق والموضوعيّة، فلها أهلها في مراكز تحترم نفسها في أنظمة غير أنظمتنا، وفي جامعات غير جامعاتنا، على العموم، مع وجود الاستثناء طبعا.

ولا تستغرب إن وجدت بعضهم يجعل من هذه الأفكار مرجعيات نظرية أصيلة، ويزكّي أسوأ المواقف بمبرّرات لا تقنع حتّى الأطفال، ويضفي شرعية وصباغة على سياسات فاشلة. همّه الوحيد إرضاء سيّده؛ فتجده أكثر تشبّثا بسيادة القانون والمؤسّسات، وهو في قرارة نفسه يدري جيّدا أنّ سيّده أوّل من يخرق القانون، وأنّه لا مؤسّسات خارج مزاج السيّد. وشعيب لا يخفي ابتسامته عندما يتعرّف على أحد هؤلاء؛ إذ سرعان ما يكتشف ببديهته أنّه بلطجي من النوع الرفيع، بلطجيّ في ثوب أكاديمي، يرشق معارضيه بحجارة “أكاديميّة” صلبة عمادها الوحيد أنّها صادرة عن “محلّل استراتيجي” عندما تعوزه الحجج أمام جمهور لا يفهم في هذا العلم “الجديد” إلا ما يتفوّه به هؤلاء “العلماء الجدد” من تحليلات تافهة في كثير من الأحيان. والواقع، أنّهم لا يفيدون في شيء الجهة، التي يترافعون في الدفاع عنها، إلا من حيث أنّها تضعهم في الواجهة أبواقا لتبرئة ذمّتها وتمرير سياسات دون كيشوتية لا يساهمون فيها لا من بعيد ولا من قريب، سياسات غير مفيدة للبلدة سوى بالصدفة وبدرجة ثانوية.

فعندما ينحصر العمل الاستراتيجيّ في السياسة والأحداث السياسيّة، ولا يكون في وسع الخبراء في هذا المجال سوى بعض نصوص القوانين ومحتوى بعض المعاهدات الدوليّة وتحليلات المقاهي، فلا تنتظر النتيجة. وقد صار التنبؤ هواية البعض على طريقة مسيلمة. وصفة سحرية جاهزة، وجمل مكرورة في كلّ سياق، والتحليل نفسه يطبَّل به في كلّ مناسبة، وما أيسره: تحليل المؤامرة والتخوين والصفقات السرّية، علاوة على واجهة شكلية وانتهازية مقيتة!

وفي الأخير، فإنّ السؤال الذي يقلق شعيبا هو: كيف يُصنع هذا الكمّ الهائل من الخبراء في جماعاتنا بين عشية وضحاها؟ هل صار هذا العمل شغل من لا شغل له؟ وإلى أين يقود هؤلاء قريتنا الجميلة؟ فتجد خبيرا في العلوم الاجتماعيّة بدون تكوين أساسي في علم الاجتماع، وخبيرا في العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة دون تكوين أساسي جامعي وعالي في التكوين نفسه. ومن حق شعيب أن يتساءل: هل من أمل أن يتطوّر هذا المبحث العلميّ وغيره، عندنا، فيستثمر بالأساس نتائج دراسات اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة دقيقة تفيد الدولة والمجتمع؟ لقد تناسلت مراكز الدراسات الاستراتيجيّة، وغيرها، في العقد الأخير في جماعاتنا. فهل يا ترى أنشئت عن حسن نية ووعي بأهمّية التخطيط والاستباق والتوقّع؟ لا يبدو أنّ الأمر كذلك في كثير من الحالات! لقد تناسلت كالطفيليات، في خضم فوضى العصر، كما تناسلت وسائل الإعلام الصوتيّ والبصريّ والإلكترونيّ. صحيح أنّ الوعي السياسيّ ازداد في مجتمعاتنا، وبدأ يتشكّل رأي عامّ لا يرى في السياسة عندنا إلا صورة مشوّهة للسياسة في الغرب، وفي السياسيّين إلا ممثلين، وفي الأحداث إلا صناعة إسرائيليّة وغربيّة. وماذا نصنع نحن؟ نحارب الطواحين بأفكار طفوليّة ومؤسّسات شكليّة وفساد مقيم: نحارب العلمانيّين ونحن غارقون في العلمانيّة، نحارب التشيّع وما نحن بأحسن منهم، ونحارب التصوّف وما عرفنا عنه غير رقص الراقصين. اقتلعنا شجرة المعتزلة قبل أن تصير وارفة، والحمد لله أنّها أثمرت أشعريّة مفيدة أحيانا، ومفرغة من محتواها في أغلب الأحيان. أمّا أهل الحكمة فقد قطعنا حبل السرّة بهم وبعلومهم منذ زمن طويل. فهل من مفيد؟

*جامعة محمّد الأوّل، وجدة

أوسمة :